ابن حزم
171
الاحكام
السماء والأرض ، وإن كان لا معنى لذلك ، فلا ترجحوا بكون أحد الراويين أعدل . قال أبو محمد : ونسوا أنفسهم أيضا ، فتركوا ما رجحوا به ها هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر ، في قول أنس : أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتي تمس ركبته وأنا إلى جنبه رديف لأبي طلحة ، وهو عليه السلام يقول : لبيك عمرة وحجا ، لبيك عمرة وحجا وفي قول البراء بن عازب إذ يقول : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية حجه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني سقت الهدي وقرنت . وفي قول حفصة أم المؤمنين له : لم تحل من عمرتك ، فصدقها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وبين عليها لم فعل ذلك ، فتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه ، لكلام عن عائشة لم تدع أنها سمعته ، وقد اضطرب عنها أيضا فيه ، فروي عنها مثل ما قال أنس والبراء وحفصة رضي الله عن جميعهم ، ولكلام عن جابر لم يدع أنه سمعه ، وهو مع ذلك أيضا يحتمل التأويل ، وقد اضطرب عنه أيضا في ذلك ولا شك عند ذي عقل أنه عليه السلام أعلم بأمر نفسه من جابر وعائشة ، وأن أنسا والبراء وحفصة - الذين ذكروا أنهم سمعوا من لفظه صلى الله عليه وسلم ذلك ، وباشروه يقول ذلك - أيقن من جابر فيما لم يدع أنه سمعه ، ولكن هكذا يكون من اعتقد قولا قبل أن يعتقد برهانه : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) * . وقالوا : نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قولا لم يختلف فيه ، والآخر فعلا مختلفا فيه ، ومثلوا ذلك برواية عثمان رضي الله عنه : لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ، وبالرواية في نكاح ميمونة مرة بأنه عليه السلام كان حلالا ، ومرة بأنه عليه السلام كان محرما . قال علي : وهذا لا معنى له ، لان العدل إذا روى شيئا قد بينا أنه لا يبطله خلاف من خالفه ، ولا كثرة من خالفه ، وليس العمل في الاخبار كدراهم قمار تلقى درهم بدرهم ويبقى الفضل للغالب ، لكن خبر واحد يستثنى منه أخبار كثيرة ،